عبد الرحمن بدوي

276

أرسطو عند العرب

نظام ويحدث عن الاتفاق . لكن الجسم الإلهى ما دام يفعل فعله الخاص به ، أعنى أن يتحرك الحركة الدورية الأزلية المنتظمة بالشوق إلى ذلك الشئ الذي هو أفضل الموجودات ، فإنه بحركته هذه يكون شيئا لاستحالة الأجسام التي في الكون والفساد الجارية على نظام بحسب اختلاف أحوالها بعضها عن بعض . وهذه الحركة هي التي تحفظ هذا العالم الجديد الغض الشاب وتمنحه الأزلية وعدم الهرم الزمان كلّه . فهكذا يجرى الأمر في سياسة الكل بحسب ما أخذناه عن الإلهى أرسطوطالس على طريق المبدأ والاختصار ، فإن كل واحد من الأشياء التي فيه حافظ « 1 » لطبيعته الخاص به ويتبع أفعالها التي تخصها أزلية الكل وانتظامه . وهذا الرأي ، مع أنه دون غيره ملائم للسياسة الإلهية ، فهو المنظور إليه والمصدق به دون ما سواه من الآراء لمطابقته الأمور المشاهدة للعالم ومناسبته لها . وقد ينبغي لجميع من يتفلسف أن يعمل بهذا الرأي ويختاره على غيره كيف كانت الأحوال أو كانت أصوب الآراء التي قيلت في اللّه عز وجل والجسم الإلهى . وهو فقط من بين الآراء يحفظ اتصال ونظام الأشياء التي تحدث عنهما وبسببهما . فإن ظهر لأحد من الناس أن في شئ مما قلنا مما يحتاج إلى فحص أكثر وألطف فليس ينبغي بسبب صعوبة يسيرة لعلها أن تظهر فيه أن يتراخى فيما نحن عليه من العناية والاجتهاد في نصرة جميع هذا الرأي ، وأن ينفر منه ويستوحش . لكن قد ينبغي لنا مع تمسكنا بهذا الرأي نصرتنا له ، إذ كان من جميع الآراء التي اعتقدت في اللّه عز وجل [ و ] أولاها به . فالصواب أن نقصد كل جميع الآراء المضادة له وإصلاح الفساد المتعرض فيها بحسب الطاقة بعد أن نتقدم فنعتقد أنه يعسر أن نجد رأيا من الآراء النظرية معرى من الشكوك . فأما السبب في اختلاف الآراء وتضادها فليس يخلو من هذه الجهات التي أصف : [ و ] ( ف ) إما أن يكون ذلك لمحبة الرئاسة والغلبة الصادّين « 2 » عن الوقوف على الحق والاقتداء « 3 » به ؛ وإما أن يكون لصعوبة الأشياء التي الكلام فيها ولطفها وغموضها ؛ وإما أن يكون لضعف طبيعتنا نحن وعجزها عن إدراك الحقائق . إلا أنه ليس يجب لذلك أن نرفض ما اعتقدناه وارتأيناه على طريق النظر

--> ( 1 ) ص : حافظا . ( 2 ) فوقها : ويمنع . ( 3 ) في الهامش : نسخة : الانقياد له .